بهاء الدين الجندي اليمني
192
السلوك في طبقات العلماء والملوك
قدم على المأمون كتاب من عامله « 1 » باليمن وذلك سنة اثنتين ومائتين يخبره بخروج الأشاعر وعك في تهامة « 2 » فقال المأمون لوزيره الفضل بن سهل « 3 » انظر لنا من نوجّه إلى اليمن يسدّ خللها فأثنى على ثلاثة رجال قد وشي إليه بهم وهمّ بقتلهم ثم عفا عنهم . وبيان ذلك أنهم لما حضروا مجلسه « 4 » بتاريخ سنة تسع وتسعين ومائة استخبر كلا عن اسمه ونسبه فانتسب أحدهم إلى عبيد اللّه بن زياد بن أبيه « 5 » والآخر إلى سليمان بن هشام بن عبد الملك والثالث إلى تغلب وقال : اسمي محمد بن هارون ، فبكى المأمون وقال : وأنّى لي « 6 » بمحمد بن هارون يعني أخاه الأمين ، وقال للمنتسب إلى سليمان بن هشام بن عبد الملك : يا هذا إن عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس ضرب عنق سليمان وأعناق ولديه في ساعة واحدة ، فقال : يا أمير المؤمنين أنا من ولد سليمان ، كان جدي صغيرا يومئذ لم يدرك ، ومنّا قوم في أفناء الناس بالبصرة فقال المأمون : يقتل الأمويّان ويعفى عن التغلبي برّا لاسمه واسم أبيه « 7 » فقال ابن زياد ما أكذب الناس يا أمير المؤمنين ! قال له : وكيف ذلك ؟ قال يزعمون أنك حليم كثير العفو متورّع عن سفك الدماء ، فإن كنت تقتلنا على ذنوبنا فلم نخرج لك عن طاعة ولم نفارق عن بيعتك رأي الجماعة ، وإن كنت تقتلنا على جنايات بني أمية فيكم فاللّه تعالى يقول : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 8 » فاستحسن المأمون كلامه وعفا عنهم جميعا وأمر وزيره بضمّهم إليه حتى يطلبهم منه . فلما ورد كتاب عامل اليمن المقدم ذكره « 9 » فأمر المأمون « 10 » وزيره بما قدمناه من
--> ( 1 ) لا يعرف من كان عامله على تهامة في هذه الفترة ، وتهامة كانت تابعة في دواوين الدولة إلى مخلاف الجند . ( 2 ) الأشاعر قبيلة يمنية نسبت إلى الأشعر واسمه نبت بن أدد بن زيد بن عمرو بن زيد بن كهلان بن حمير بن سبأ ، وعكّ : بفتح العين المهملة وتشديد الكاف قبيلة يمنية نسبت إلى عك بن عدثان بالمثلثة ثالث الحروف بن عبد اللّه بن الأزد بن الغوث بن النبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن حمير بن سبأ ، انظر « عمارة » بإخراجنا ص 44 . ( 3 ) ترجمنا للفضل بن سهل في عمارة ص 41 . ( 4 ) الضمير في مجلسه يرجع إلى المأمون . ( 5 ) في بعض النسخ وعمارة عبيد اللّه بن زيادة وفي « قرة العيون » ج 1 ص 320 انتسب أحدهم إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وكذا في الخزرجي ، وانظر عمارة فهو مصدر الجميع . ( 6 ) زيادة الواو من عمارة . ( 7 ) في « ب » رعاية ، وكذا في « قرة العيون » وفي عمارة نفسه وفي « د » زيادة عليه . ( 8 ) فاطر - 18 . ( 9 ) لم ينص الجندي ولا عمارة على اسم العامل الذي كتب للمأمون وكتب إليه كما سبق لنا ذلك . ( 10 ) كان في الأصلين وأبو فحذفنا الواو ليستقيم الكلام .